في ليلة يداعبها سحر السكون وهدأة الطقس الذي طغت عليه رطوبة جدة المعتادة.
نامت فاطم على سرير الأمل وهي لاتدري أن هذا السرير ماهو إلا رمز لنعشها الذي
سيحملها الى المجهول القادم .
نامت وحيدة لايساكنها إلا أحلام المرحلة الجديدة بعد أن تستلم وثيقة التخرج من الثانوية العامة
يوم غد الاربعاء. اسدلت الفتاة اهداب عينيها واسترسلت أمانيها تصوغ ألحانها في مراتع احلامها
الفسيحة ، نامت وقد زمزمت اطراف وطنها واحتوته بجوانحها كي لا تصحو وتجده مخطوفـــا
او مسلوبا أو محتلا أو حتى غريقا.
وماإن تنفس الصبح حتى ارسلت شمس الوطن اصابعها تمسح ذلك الخد الأسيل لتوقظها لحضور
ميقاتها المضروب مع النجاح …. مع فرحة ظلت تنتظرها ثمانية عشر عاما ، ميقات لايعرف اعرابه
سوى فاطم واهلها الذين عملوا على تنشئة ابنتهم لتصل لهذه المرحلة.
هرعت الفتاة الى مدرستها واستلمت صك الفرحة ثم طارت على بساط البهجة فانطلق بها
مسرعا مختصرا مسافة الطريق ليحط بها في محطة بيت الانتظار ، وبمجرد دخولها حتى
رفعت شهادتها وهي تقول : هاؤم اقرأوا كتابية وانظروني اقتبس من نور النجاح … فدوت زغاريد
الفرح وتعالت هتافات التبريك مهنئة لها بهذا الظفر المنتظر.
في تلك اللحظة الهانئة تناثرت زخات الفرح من سماء النجاح فأروت أرض صدور عائلة فاطم،
وكمكافئة لها اقترح عليها والدها هدية قيمة نظير مابذلته من جهدفاعتذرت الفتاة من ابيها
بلطفها المعهود وقالت: لا ياأبي لا أريد هدية إلا أن نذهب الى بيت الله العتيق لأشكره على هذه
النعمة ثم اذا اردتم ان نتناول افطارنا على شاطئ البحــــــــر وخاصة بجانب ميدان النورس
فإنني دائما ماأحس بجذبه لي ومغازلته إياي لأقترب منه بل انني لا أ شعر بجمال مدينتي الحبيبة
إلا في ذلك المكان ، فرد الوالد على ابنته قائلا: ابشري بسعدك يابنيتي ، يوم غد الخميس إن
شاء الله سنفطر على شاطئ البحر الأحمر وعند ميدان النورس كما طلبتي .
استيقظ الجميع وصلوا الفجر ثم قاموا بتجهيز اغراض وادوات الرحلة واكدت فاطم على والدتها
أن تحضر الشاي بالنعناع لأن له طعم خاص عندها اذا ماشرب على شاطئ البحر، ولم تنسى
ايضا كاميرا التصوير لتحتفظ بهذه الذكرى السعيدة ، وهاهي العائلة السعيدة تحط رحالها
بجوار دوار النورس فقاموا بفرش سجادتهم على مقربة من الشاطئ الذي نغص جماله تلك
الرائحة الكريهة لمياه الصرف الصحي فهم الوالد بتغيير المكان لولا ان ابنته المحتفى بها
ألحت بالبقاء ولو لبضع دقائق لتلتقط صورا لهذا المكان الآسر ، فاستجاب الأب لصغيرته
المحبوبة ، ثم جلس الجميع لتناول الافطار والشاي وغادرتهم فاطم لالتقاط الصور ومضى
الوقت ومازالت تتتنقل على حافة الشاطئ مسجلة اروع اللحظات بكاميرتها الصغيرة
فما كان من امها الا ان نادتها
يابنيتي تعالي اشربي الشاي تراه برد) وما ان انتهى نداء
الأم حتى لبت فاطم نداء البحر الذي ابتلعها بمساعدة تيارات مياه الصرف الصحــــــي.
نظرت فاطم نحو النورس ووالدها واقف بجانبه وهي تصرخ: الحقوني ….. ساعدوني
ما ابغى اموت . ثم سكتت وانقطعت استغاثاتها ومازال الأب عاجزاً أن يتحرك لينقذ ابنته
كما عجز الوطن أن يوفر مكانا آمنا لفرحة ابنته ، عجز كما عجز سكان جدة ان يتمتعوا بشاطئ
مدينتهم بعد أن احتله جشع الطبقة الارستقراطية التي تشم رائحة الريال ولو في اعماق البحر
عجز كما عجزت أمانة مدينة جدة ان تعترف بخطئها وجنايتها على فاطم وعلى كورنيش عجوز
البحر الأحمر، عجز والدها عن كل شئ الا عن سماع صوت أم فاطم التي كانت تردد:
ومضى الذي اهوى وحرقني الأسى **** وغدت بقلبي جذوة وسعير
ياليته لما نوى عهد النــــــــــوى **** وافى العيون من الظلام نذير
ناهيك مافعلت بماء حشاشتـــــــي **** نار لها بين الضلوع زفيــــر
لو بث حزني في الورى لم يلتفت **** لمصاب قيس والمصاب كثير
طافت (بشهر الصوم) كاسات الردى ** سحرا واكواب الدموع تدور
فتناولت منها ابنتي فتغيــــــــــــــرت **** وجنات خد شانها التغيير
Filed under: هتاف الوطن | 2 تعليقات »























